يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
66
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
توليت بعد اللّه في الدين خمسة * نبيا وسبطيه وشيخا وفاطما ومن غريب أمر هذه الطائفة أنها لا تأكل الكرنب ، ويعتلون في ذلك بأنه نبت على دم الحسين رضي اللّه عنه وعن أهل السنّة . قلت : أجمع الناس على قول لا حول ولا قوة إلا باللّه ، ومعناه : لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه ، ولا قوة على طاعة اللّه إلا باللّه ، فمن قالها موقنا بها فينبغي أن يستعملها فعلا كما نطق بها قولا ، فيعلم أنه لا يملك مع اللّه ضرا ، ولا نفعا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا ، ولا خلقا ولا رزقا ، وأنه لا فاعل إلا اللّه وحده . ألم تسمع قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ الروم : 40 ] انظر هذا الترتيب العجيب هل يشك عاقل في أنه كذلك ، وهذه أربعة أحوال منتظمة لا تخرج واحدة منها عن صاحبتها . ألا ترى أنك لا تقول أبي خلقني وإن كان السبب فيك . ولا تقول هو يميتني ولا هو يحييني ، فكذلك ينبغي أن تقول هو يرزقني ، وإلا فأي فائدة من قراءتك : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] . إن كنت متوكلا على فلان أو على صحة أو على صناعة أو على مال وإن كانت هذه كلها أسبابا فانظر المسبب الأوّل الذي عليه المعوّل . ولي قطعة مطوّلة فيها : شغلنا عن الرزاق جهلا بما نرى * من السبب البادي فأين المسبب انظرها في التكميل . أما علمت أن اللّه يرزق بسبب وبغير سبب ؟ ! نعم . وقد يرزق بالسبب اليسير كما يرزق بالكثير . كم رأينا من رجل ما تساوي سلعته التي تصرف بين يديه درهما ، ومثله يأكل ويلبس ويسكن هو وعياله عمره ، كما يصنع الذي يصرف الألوف ، وإن لم يستويا في الرفاهية فقد استويا في المعيشة . إذ لو لم يأكل هذا القليل المال شيئا لمات . فإذا لا يزيد عليه الغني إلا بالشبع والشهوات ، ومعلوم أن الفقير أحسن منه في الآخرة وأقلّ حسابا إذا صبر وسلم دينه ورضي بحاله . وأيضا فتلك الشهوات التي تلذذ بها هذا الغني إنما لذتها وطيبتها ما دامت في فيه فإذا جاوزت الحلقوم فقد ذهب طيبها . وفي هذا المعنى قال الشاعر : إذا ما شئت أن تعلم * يوما كذب الشهوة فكل ما شئت يغنيك * من المرّة والحلوه وطأ من شئت يحصنك * عن الحسناء في الذروة وقد ينسيك ما تهواه * نيل الشيء ولم تهوه وقال بعض الحكماء : فساد الذات في اللذات ، وقسّمها فقال : لذة ساعة الأكل